
وجود صورتين للرقم (٥) في الكتابات الهندية هما لنفس الرقم (٥) في صورتيه العربيتين المشرقية والمغربية - وهما الصورتان العربيتان المتباعدتان عن بعضهما جغرافياً وزمنياً.. هاتان النتيجتان تفضيان إلى أن أصل هذه الأرقام ليس هندياً بل أجنبياً عن الهند ، أخذت منه كل قومية من القوميات الهندية ما تراءى لها - في وقت ما - مباشرة من مصدره العربي عبر التجّار العرب ، ولو كان هو مصدراً هندياً واحداً لما وُجد التباعد الذي بينّاه مع الاحتفاظ بنفس سِمة البساطة (الخلو من التعقيد الفني) لصور الأرقام في الهند. ولو تعددت المصادر الهندية المبتكرة للأرقام لما تقاربت صور الأرقام في أغلب الكتابات الهندية لهذه الدرجة من التشابه والبساطة. ومثال ذلك تماماً ما يحدث في الحياة عند انتقال خبر من مصدر ما ، فينتابه التبديل والتغيير في جزئياته لدى الآخرين عما هو عليه في مصدره وإن حافظ الخبر على فحواه العام.
إضافة إلى نتيجة منطقية أخرى ، هي أن اتصال القوميات الهندية فيما بينها لم يكن اتصالاً ملموساً بسبب البيئة الهندية التي تغلب عليها الغابات الاستوائية الكثيفة ، والفيضانات الموسمية (وذلك في زمن مبكر من التاريخ) ، زائداً ضعف التعاملات البينية للقوميات الهندية (فلا تجارة فيما بينهم - لأن نوعية المنتجات متماثلة - ولا علم يُذكر يمكن تبادله) ، وهو نفس السبب الذي لم يوحد لا بين اللغات الهندية الثماني عشرة ، ولا حتى بين الكتابات الهندية الإحدى عشرة ؛ في حين أن دوران التجّار العرب (الأجانب) حول سواحل شبه القارة الهندية في تجارتهم من بحر العرب غرباً إلى جذر إندونيسيا وماليزيا والصين في المحيط الهندي شرقاً - ذهاباً وعودة - مثّل الناقل الأمثل للأرقام العربية بين تلك القوميات الهندية ، وكونه ناقلاً موسمياً (مرّة أو مرّتين في العام) ساعد على التفاوت بين والتحوير في نفس صورة الرقم الواحد لدى القوميات الهندية المتغايرة ، خاصة إذا وضعنا في الاعتبار أن هذا الانتقال للأرقام من العرب إلى القوميات الهندية المتغايرة لم يكن متزامناً (لم يتم معهم جميعاً في نفس الوقت).
في المقابل ، حافظت القوميات الأوروپية على وحدوية صورة الرقم العربي (الغابر) فيما بينها لسببين رئيسيين:
| ـ | جودة الصلة بين القوميات الأوروپية في وقت متأخر نسبياً من التاريخ (حينما انتقلت إليهم الأرقام العربية) بسبب ضعف العوائق البيئية فيما بينها. وهو نفس السبب الذي قَصَر عدد الخطوط (الكتابات) الأوروپية على حوالي ٣ فقط هي: اللاتينية Latin ، واليونانية Greek ، والسريالية Cyrillic. |
| ـ | انتقال الأرقام العربية إلى أوروپا لم يكن رهيناً فقط بالعلاقة التجارية بين العرب وأوروپا كما كان بين العرب والهند ، بل ورهين أيضاً بالعلاقة العلمية إذ مثّل العرب مصدر العلم لأوروپا من الأندلس (جامعة قرطبة Cordoba) وصِقِلّية ، ومن الشرق عن طريق وفود الدارسين الأوروپيين إلى مدنه كبغداد ، والبصرة ، ودمشق ، والقاهرة.
|
