ا ء ب بـ ة ح حـ د ر س سـ ص صـ ط ع عـ ـعـ ف فـ ق ك كـ ل لـ لا م مـ ن نـ هـ ـهـ ه و ى يـ ـي
أمّا الكتابة السِنهالية في سريلانكا فلم يُعرف لها أرقاماً محلّية (قوميّة) على مدى قرنين - على الأقل - إلى الوراء ، ما يُرجّح أنهم كانوا يستخدمون الأرقام العربية بصورة من الصور ، مثل أهل ذيبة المُهل (المالديفز) ، ثم تبنّوا الأرقام العربية الغابرة نقلاً عن البرتغاليين بعد عام ١٥٠٠م تماماً مثلما حدث أن تبنّوا الاسم: "كولومبو Colombo" البرتغالي لعاصمتهم..!! ونزوع بعض القوميات الهندية إلى كتابة الأرقام طباعياً بصورتها الغربية الحديثة - وعلى رأسها السِنهالية - لا نراه إلاّ برهاناً آخر على أجنبية تلك الأرقام (أرقامهم المحلية) عن كتاباتهم ؛ تماماً كما تخلّت قوميات مثل التركية عن الأبجدية العربية (الأجنبية عنها) تأثّراً بالحضارة الغربية.
وحتى لو أجرينا مقارنة مماثلة للسابقة بين ما يُزعم أنها الأرقام البراهمية الأولى منقوشة على الحجارة (في القرن الأوّل الميلادي) ، مع حروف الكتابة البراهمية Brahmi القديمة والتي تطورت عنها معظم الكتابات الهندية المعاصرة المشار إليها ، لكان أيضاً انتماء تلك الأرقام إلى حروف الأبجدية العربية - بل والأرقام الغِبارية (من الخمسة إلى التسعة) - هو الأقرب ، لكون تلك الأرقام المنقوشة أبسط بنية فنّية ، وتكاد تخلو من الزوايا الحادة التي تكثر في الأبجدية البراهمية ؛ وهاهي للقارئ ليمعن النظر فيها:


وها هي نفسها هنا مرّة ثانية بعد إمالة أغلب الحروف ما بين ١٠ إلى ٤٥ درجة في اتجاه دوران مؤشّرات الساعة ، ما يجعل مقارنتها بالأحرف العربية المعاصرة أسهل.
وليس فقط بناء الحرف هو ما يقطع بنقل الهنود للأرقام من العرب ، ولكن أيضاً اتجاه الكتابة والقراءة. فإذا علمنا أن كل اللغات الأوروپية تقرأ الأعداد من اليسار إلى اليمين وفقاً لاتجاه قراءة وكتابة كلامها كأمر طبيعي ، فالعدد ٣٥ مثلاً يُقرأ بالإنجليزية: thirty five ، وبالفرنسية: trent cinq - الثلاثون أولاً ثم الخمسة ، ولكن تشذ عنهم اللغة الألمانية في ذلك فهم يقرأون الآحاد أولاً ثم العشرات (الخمسة ثم الثلاثون) fünf und dreiβig ، وقد بيّنت المستشرقة الألمانية: زِجرِد هونكه في كتابها "شمس العرب تسطع على الغرب" أن سبب ذلك هو تأثر الألمان باللغة العربية عند تعلمهم لكتابة الأعداد بالأرقام العربية.
وإذا علمنا في نفس الوقت أن الهنود غير المدينين بالإسلام ويتحدثون اللغات الآرية Aryan (الهندأوروپية Indo-European) التالية: الهندية (ويكتبونها بالخط الديفاناجاري) ؛ والجوچراتية (ويكتبونها بالخط الجوچراتي) ؛ والپونچابية (ويكتبونها بالخط الجورموخي) ، يشكلون ٦٠٪ على الأقل من سكان جمهورية الهند - وفق إحصاءات التسعينات - ويقرأون الأعداد ذات الرقمين (من ٢١ إلى ٩٩) من اليمين إلى اليسار ، أي مبتدئين بالآحاد ثم العشرات رغم أنهم جميعاً يكتبون لغاتهم من اليسار إلى اليمين - لوجود تآصل بينها وبين اللغات الأوروپية ، فإلى أي تفسير يمكن أن تُعزى قراءة اللغات الهندية الغالبة لأعداد الرقمين من اليمين إلى اليسار ما لم يكن أصحاب الأعداد ومبتكروها هم العرب تعلمها الهنود منهم فتأثروا بالترتيب اليميني العربي لقراءة الأعداد كما تأثر به الألمان بعدهم؟ في حين أن العرب ليس فقط يكتبون لغتهم من اليمين إلى ليسار ، بل ويقرأون الأعداد - كأمر طبيعي - من اليمين إلى اليسار أيضاً ومهما بلغت قيمة العدد ؛ فالعدد ١٩٧٣ مثلاً قراءته الصحيحة في اللغة العربية هي: ثلاثة وسبعون وتسعمئة وألف. جدير بالذكر أن قراءة الصردفي اليمني في مخطوطته "مختصر الهندي في الحساب" للأعداد مثل: ألفان وخمسماية ، هي مخالفة للقاعدة العربية في قراءة الأعداد.
من جهة أخرى تتزايد مواضع الأعداد من اليمين إلى اليسار وليس من اليسار إلى اليمين ، بمعنى أن المواضع العشرية: آحاد ، عشرات ، مئات ، .. تبدأ من اليمين وتستمر نحو اليسار وليس من اليسار وتستمر نحو اليمين ، وكان من الممكن جداً أن يكون اتجاهها هذا هو العكس: أي من اليسار إلى اليمين والمضي في العمليات الحسابية على هذا الأساس دونما أية مشاكل فنكتب العشرة (١٠) ، والسبعة وعشرين (٢٧) ، والثلاثة وثمانين ومئتين (٢٨٣) نكتبها ونجمعها من اليسار كالتالي:
| ٠١ | 01 | |
| + | ٧٢ | 72 |
| + | ٣٨٢ | 382 |
| ||
| = | ٠٢٣ | 023 |
فإذا عَزى أحد هذا التأثر اليميني العربي في قراءة غالبية الهنود لأعداد الرقمين إلى الدين الإسلامي نتيجة للفتوحات الإسلامية لشمال شبه القارة (٧١١ - ١٧٧٥م) ، فهذا العزو مضحوض بأن تأثير الدين الإسلامي في ذلك الوقت المبكر انصّب على لغة و/أو على كتابة من اعتنق الإسلام فقط متمثلاً بصفة خاصة فيما أصبح اليوم أفغانستان وپاكستان ، إضافة إلى إقليم كَشمير ، وهو لم ينصّب لا على كتابة ولا على لغة من لم يعتنقه ، مثل من لم يحتكّ من التاميل بالعرب فلم يُسلموا.
أما الاتجاه اليميني للتزايد العددي فمحال أن يكون بتأثير الدين الإسلامي في الهند لأن هذا الاتجاه لم يحدث أن تغير عند الهنود في العمليات الحسابية منذ أن تعلموا الأرقام قبل الإسلام بقرون ، وهو ما يعني أنه يوم أن تعلم الهنود - أول ما تعلموا - كتابة الأرقام ثم الصفر ، تعلموها من العرب أصحاب الاتجاه اليميني. غير أنه يجدر بالقارئ أن يفهم أن الاتجاه اليميني للتزايد العددي في العمليات الحسابية لا يرتبط باتجاه قراءة العدد الناتج في النهاية لدى أي قومية ، وهو ما لم يمنع العرب أنفسهم من أن يقرأوا (بعد الاحتلال الأوروپي لهم) الجزء الأكبر من العدد أوّلاً ، من اليسار إلى اليمين ، مخالفين للقاعدة الأصلية في قراءة الأعداد باللغة العربية.
من ناحية أخرى ، لا تقرأ اللغات الدرافيدية Dravidian الأربعة: التيلوجو ، والكنّادا ، والتاميل ، والمالايالام ، وهي لغات الجنوب الهندي ويشكل متحدثوها ٢٧٪ من سكان الهند ، وغالبيتهم الساحقة لا تدين بالإسلام - لا يقرأون أعداد الرقمين من اليمين إلى اليسار ؛ وتفسير هذا هو التأثير الغربي المبكّر بدءاً من الغزو البرتغالي لبعض تلك القوميات - ابتداءً من ١٥٠٠م كما سبق أن مرّ علينا - خاصّة لأراضي الكنّادا ، والمالايالام.
إضافة إلى عامل جزئي آخر هو انعزال قومية مثل التاميل (غير المسلمين) عن التأثير العربي باكتناف الأدغال الاستوائية الكثيفة لموطنهم ، ولهذا السبب أيضاً لم يصل الصفر العربي إلى التاميل غير المسلمين في أقصى جنوب الهند شرقاً ، في حين أنه وصل إلى لغة الدهيفهي Dhivehi لجزر المالديفز الأبعد ، وكانوا يقرأون الأعداد ذات الرقمين من اليمين - الآحاد فالعشرات - غير أنهم تحولوا عن هذا الترتيب منذ أقلّ من قرن مضى.
وإلى اليسار نعرض تحليلاً للتحور العام الذي نراه طرأ على الأرقام العربية القديمة - بعد أن انتقلت إلى الهند - في كتابة أرقام الديفاناجاري المعاصرة.
