الأرقام العربية أصل الهندية - السابقة الصفحة السابقة الصفحة التالية الأرقام العربية أصل الهندية - التالية

من تاريخ نشأة الأرقام العربية في المشرق

(١) سبق للعرب - كما فعل اليونانيون وغيرهم - أن استخدموا رموز حروفهم الأبجدية في العدّ ، وهو النظام المعروف بحساب الجُمَل - وحتى هذا يتفاوت ترتيبه اليوم في المشرق العربي عنه في مغربه ، وينحصر هذا التفاوت في ٦ أحرف كالتالي:

الحرف عند المشرقيينسصشضطغ
قيمته العددية٦٠٩٠٣٠٠٨٠٠٩٠٠١٠٠٠
الحرف عند المغربيينصضسظغش

(٢) استخدام الحروف اليونانية كرموز للأعداد في كتابات أوراق البردي العربية وفي ترقيم صفحات الكتب العربية التي استنسخها الأقباط في مصر جاء كأثر من آثار الحكم اليوناني (البطلسي) لمصر طيلة ٣٠٠ سنة قبل الميلاد ، لا لغياب الأرقام العربية ، ويشهد على ذلك ليس فقط حجر رشيد الذي جمع بين الكتابة اليونانية والكتابة الفرعونية (الهيروغليفية) ، بل واتّخاذ أقباط مصر ذات الأبجدية اليونانية وإلى يومنا هذا في كتابة لغتهم المحلّية - على الرغم من تحدّثهم وكتابتهم العربية بأبجديتها.

(٣) استعمل العرب أسلوباً من الترقيم عُرف ﺒ "الديواني" ، وكان يُستعمل في القسم الشرقي من العالم الإسلامي في كتابة التواريخ وغيرها من أعداد في المخطوطات الديوانية ، ويتكون من مختصرات أسماء الأرقام من هذا القبيل:
منشأ الأرقام العربية - الأرقام العربية أصل الهندية
وطبعاً لم تكن حروف الهجاء نفسها لفترة من الزمن قد عرفت النقط.

من الواضح أيضاً أنه لم يكن هناك التزام ﺒ أو انتشار للكتابة بالأرقام العربية من قبل كل العرب في البلدان العربية ، وأن كثيرين بقوا يكتبون الأعداد بما ألفوه وشبوا عليه (سواء أكان ذلك نظاماً بدائياً عربياً أم يونانياً باستعمال الأحرف الهجائية) لمجرد الترقيم وليس في الاشتغال بالأعمال الحسابية - تجارية أو علمية.

(٤) قال بن النديم (مات بعد ٩٩٩م) في كتابه "الفهرست": "ذكر لي رجل يجول في بلادهم (بلاد السند) أنهم في الأكثر يكتبون بالتسعة الأحرف على هذا المثال: أرقام  بن النديم العربية_1 - الأرقام العربية أصل الهندية ، وابتداؤه: أ ب ج د ﻫ و ز ح ط ، فإذا بلغ إلى ط أعاد الحرف الأول ونقطة تحته على هذا المثال: أرقام  بن النديم العربية_2 - الأرقام العربية أصل الهندية ، فيكون: ي ك ل م ن س ع ف ص ، يُزاد عشرة عشرة ، فإذا بلغ "ص" يكتب على هذا المثال وينقّط تحت كل حرف نقطتين هكذا أرقام  بن النديم العربية_3 - الأرقام العربية أصل الهندية فيكون: ق ر ش ت ث خ ذ ض ظ ، فإذا بلغ "ظ" كتب الحرف الأول من الأصل ونقّط تحته ثلاث نقاط: أرقام  بن النديم العربية_4 - الأرقام العربية أصل الهندية".

لم يقل بن النديم: "..يكتبون هذه التسعة الأحرف" ، وإنما قال: "يكتبون بالتسعة الأحرف على هذا المثال" ، أي أن الأرقام التي شرح بها بن النديم - وبصورتها الواردة أعلاه - كيفية قيام أهل السند (الهنود) بكتابة أعدادهم ، هي أرقام العرب وليست أرقام الهنود ، مبيناً أن الهنود أيضاً - آن ذاك - يتبعون نظاماً شبيهاً بالنظام العربي القائم على تسعة أرقام وِفْق حساب الحروف الهجائية (حساب الجُمل) بثلاثة دلائل:
أولهما ، أن هذه الأرقام العربية سبق استعمالها في الكتب التي عملها الفزاري والخوارزمي في بغداد قبل بن النديم بأكثر من ٢٠٠ سنة ، ومن ثم لا معنى لأن يأتي بن النديم بعد مئتي سنة ليعرِّف الناس في العراق بصورة هذه الأرقام.
ثانيهما ، إذا كانت تلك الأرقام العربية التي مثّل بها بن النديم في تعريفه بالأرقام ونظامها في الهند هي منقولة أو معلومة للعرب من الهند ، لما كان هناك معنى لأن يعمل على التعريف بكيفيتها عندهم ، ولاكتفى بأن يدلي (بحقيقة استعمالنا للأرقام الهندية ونظامها الذي استعرناه ونطبّقه لدينا).
ثالثهما ، أن لو كانت تلك أرقام هندية لشبه تطابقت مع أي من الصور العشر للأرقام المستعملة في شبه القارة الهندية والتي سنبدأ في التعريف بها عقب صفحات قليلة.

عُرفت الصورة المغربية للأرقام العربية ﺒ "الغِبار" ، وهذه اللفظة هي جمع غير قياسي (محرَّف) للفظة: "غابِر" ، أي الأرقام "الغابرة" بمعنى: القديمة ثمّ صيغ النسب إليها حديثاً ﺒ "الغِبارية" (بكسر الغين).   ولكن لإهمال التشكيل في الكتابة (قديماً وحديثاً) قرأها الكثيرون بضمّ الغين: "غُبار" ففهمها المحدثون خطأً بمعنى غُبار التراب ؛ ومثلها الجمع غير القياسي: "جِهال" للفظة "جاهِل".   ومن ثمّ ، فتأويلها على أساس أن الأرقام كانت تُكتب على لوح من الغُبار هو تأويل ساذج ، لأنه لو كان الأمر كذلك فكيف كانت تُكتب الحروف الأبجدية ، أعلى لوح من الغُبار أيضاً ، أم على وسط كالورق باستخدام القلم؟
يؤكّد ما سقناه في معنى الغِبارية ما ورد في مخطوط: "بغية الطلاب في شرح منية الحساب" ، والذي كتبه شعراً المغربي: محمد بن غازي ، المكناسي (توفّي في ٩١٩ﻫ [١٥١٣م]) قائلاً:

بسيطُ أسماءِ الجميعِ إثنا عشرْ *** منها تركّبَ جميعُ ما غَـبَـرْ
فتسعةٌ منها هي الآحادُ *** وعاشرا للعشراتِ زادوا
والتالِ للمئينِ ، والثاني عَشَرْ *** ءالافُها ، ومن هنا الطيُّ انتشرْ
فالمراد بالجميع ، جميع الأعداد في اللغة العربية التي لا تخرج ألفاظها عن اثني عشر لفظاً هي: واحد ، اثنان ، ثلاث ، أربع ، خمس ، ست ، سبع ، ثمان ، تسع ، عشر ، مئة ، ألف.   وغير ما ذُكِر هو مركّب منها بالتأنيث أو بالتثنية أو بالجمع مثل: عشرون وعشرين هما جمع: "عشر" ، ومثلها: ثلاثون إلى تسعين.   و"غَـبَـرْ" قصد بها هنا ( كما جاء في شرحه للمنظومة): ما "تبقّي" [من الأعداد العربية - بصورتها الغابرة].

إن كتابة الحروف الأبجدية لم تكن بالقطع تأخذ طريقة مغايرة عن كتابة الأرقام العددية ، ولكن كتابة الحروف الأبجدية في المغرب العربي لم تُعرف بالغُبارية ، مما يؤكد أن إطلاق هذه الصفة على الأرقام لا علاقة له بالغُبار ، كما ستؤكده أيضاً إحدى المخطوطات ذات الأرقام الغِبارية - من مالي - مما سنأتي على تناوله بإذن الله.

غير أن الأرقام العربية بقيت طويلاً - قبل ذلك - محدودة الانتشار باعتبار أن استعمالها هو مهارة من مهارات التجارة يمارسها تجار الجملة وحدهم ، ولا حاجة بغيرهم لاستعمالها.
وكما لم يترك لنا العرب الساحليون أي كتابات حول تاريخهم القديم في الملاحة البحرية ، ولم يتركوا أي سفن - غالباً بفعل تدمير الغربيين لها إبان الكشوف الجغرافية ، وعلى رأسهم البرتغاليون الذين أقصوا العرب عن طرق التجارة البحرية..  لم يترك لنا العرب شيئاً يُذكر عن قصّة ابتكارهم لأرقامهم العشرة وتاريخه.


الأرقام العربية أصل الهندية - السابقة الصفحة السابقة الصفحة التالية الأرقام العربية أصل الهندية - التالية
أعلى الصفحة
ترتيب الصفحة في نتائج جوجل