لا يصح هذا الزعم عن البيروني (ت ٤٤٠ﻫ) وقد سبقه فوق الثلاثين من رياضيي العرب والمسلمين الذين ألفوا في الحساب أو الرياضيات والفَلَك والبصريات قبله بعقود عديدة [بدءاً من الحسن بن الهيثم Alhazeni (ت: ٤٣٠ﻫ) ونزولاً إلى قرة بن ثابت (ت: ٢٨٨ﻫ) حتى محمد بن موسى الخوارزمي (ت: ٢٣٢ﻫ)] ، ليس فقط كان حتماً أن يستخدم هؤلاء في مؤلفاتهم أرقاماً صريحة في الترقيم لا الحروف الأبجدية ، بل ومن مؤلفاتهم ما دُرِّس في أوروپا بعد ترجمتها حافرة أسماءهم لدى الأوروپيين في الرياضيات والفَلَك والبصريات وساهمت في تعريف الأوروپيين بالأرقام العربية ، فأي أرقام استعمل هؤلاء في مؤلفاتهم التي انتقلت إلى أوروپا؟ وأي مبرر إذاً يدعو البيروني لنقل أرقام الهنود إلى العربية أو حتى القول بأن العرب كانوا - في حياته - يستخدمون الأحرف الهجائية للحساب ، والأرقام العربية المألوفة موجودة بين أيدي من سبقوه طبقوها بكل سلاسة في الاشتغال بهذا أو ذاك من العلوم!؟ كما لا يصح نفس القول عن البيروني ولا حتّى عن غيره ، لأن تغاير صور الأحرف الهجائية بين القوميات الهندية - كما سنرى بإذن الله - هو أوسع بكثير جداً من التغاير بين رموز أرقامهم المتشابهة إلى حد بعيد!
ويقولون أيضاً إن البيروني كتب ما معناه [مترجم من الإنجليزية]:
"أن ما نستخدمه (نحن العرب) للأعداد هو نخبة من أفضل الأرقام وأكثرها انتظاماً في الهند".
فكيف أنه قال أولاً إننا (العرب) نستخدم الأحرف للحساب وفقاً لقيمها العددية ، ثم أنه هنا يقول إن ما نستخدمه للأعداد هو أرقام - حتى ولو كان بين القولين خمسون سنة فخمسون سنة في ذلك الزمان غير كفيلة بنشر وإشاعة شكل الأرقام بين كل العرب أو بين أي أمة؟!
وهو كلام لا يقبله العقل ليس لهذا فحسب ، ولكن أيضاً لأن من يُفترض أنه - جدلاً - نقل الأرقام الهندية إلى العرب سواء أكان هذا الناقل فرداً أم كوكبة من الأفراد (لجنة بتعبيرنا المعاصر) ، وسواء أكان رجل علم أو رحّالة ما الذي يجعله "يشكِّل" من صور الأرقام المستعملة في الهند "نخبة" لكي يستعملها العرب..!؟ أحرصاً على إرضاء جميع أبناء العم من الهنود ، أم سعياً منه لفتح الشهية وتسرية النظر - كما لو كان يجلب أطعمة أو حليّ!؟
والقولان منقولان من الصفحة الشبكية: "تاريخ الرياضيات" ، وعنوانها:
http://www-history.mcs.st-andrews.ac.uk/history/PrintHT/Indian_numerals.html
زد على ذلك أن ارتحال البيروني إلى الهند حدث بعد بلوغه سن السادسة والأربعين (بعد عام ٤٠٧ﻫ) وبعد أن قام هو نفسه بتأليف كتابه الأوّل عن التقاويم والتاريخ وغيره من الأبحاث والمؤلفات الهامة في الرياضيات والفَلَك والظواهر الجويّة وهي في أغلبها مؤلفات تقوم على الأرقام ؛ وأن البيروني الذي نشأ في خوارزم (أوزبكستان حالياً) قضى عمره كله متنقلاً بينها وبين إيران وأفغانستان وشبه القارة الهندية ولم تطأ قدماه بقعة من الجزيرة العربية ؛ مما لا يدع مجالاً للشك أن الغربيين ترجموا كلامه خطأً ، وليس بعيداً أنّهم زوّروه.
ولا قد نقل الخوارزمي (ت بعد ٢٣٢ﻫ/٨٤٦م) أرقاماً هندية إلى العربية. لأن كتاب "السند هند الكبير" المترجم عن رسالة هندية [في الفَلَك] قبل نحو ٥٠ عاماً من حياة الخوارزمي ، ويُزعم أن العرب عرفوا (الأرقام الهندية) مع ترجمتها ، إن كان "السند هند الكبير" هذا قد كان حاوياً لأرقام فإما أنها كانت هندية الرسم والفكرة ، فيكون مترجم الرسالة قد سبق الخوارزمي في إدخالها ؛ أو أنها كانت الأرقام العربية المشرقية فيبطل الزعم من أساسه.
ولا الفزاري (ت ١٧٩ﻫ/[٧٩٦م]) بناقل لأرقام هندية إلى العربية ، وهو الذي يُقال – في أقوال متخبّطة تفتقر إلى التماسك – على لسان مؤرخ(ين) إنه قام عام ٧٧٣م (١٥٦ﻫ) بترجمة رسالة [الفَلَك] الهندية: "السند هند" الأصلية باسم "السند هند الكبير" بطلب من الخليفة العباسي الثاني: أبي جعفر المنصور ، ثم يضيف المعاصرون - على لسان بعض المؤرخين الغربيين - القول: "ومعها - أي الرسالة - دخل علم الحساب الهندي بأرقامه المعروفة في العربية بالأرقام الهندية فقد تطور على أثرها علم العدد عند العرب".. نقول: ولا الفزاري..
ليس فقط لأن المفترض أنه ترجم الرسالة إلى العربية من لغة يجيدها هجاءً وترقيما ، بمعنى أنه كان يعرف شكل ونظام الأرقام في الهندية من قبل.. إذن ، فقد كان هناك من العرب من يعرفها وهو ملم بها قبل وصول الرسالة ، ومن غير المعقول أن يقتصر ذلك الإلمام وتلك المعرفة على شخص الفزاري وحده من بين ملايين المسلمين والعرب خاصة وأن والده إبراهيم (أبي اسحاق) يُأرخ أنه أول مسلم صنع الاسطرلاب وهو آلة يقوم عملها على الأرقام!
ولكن أيضاً أنه قد ثبُت للباحثة الألمانية: د. ٍزيجريد هونكه Sigrid Hunke - من مخطوطات لم تحددها أو غابت عني أنا - أن عالماً سورياً (عربياً مسيحياً) يُدعى: ساويروس سابوخت Severus Sabocht ، والذي كان رئيساً لدير ومدرسة على نهر الفرات ، أشار عام ٦٢٢م (أي في العام الهجري الأول - وقبل أكثر من خمسين ومئة عام من ترجمة الرسالة الهندية) بالقول [مترجم عن الألمانية عن غيرها]: "طريقة الحساب الهندية ممتازة وتنفع في كل العمليات الحسابية - أعني بها طريقة الأرقام التسعة". مع أن الباحثة الكريمة لم تتفكر في اللكيفية التي وصلت بها تلك الأرقام إلى سوريا.
أما الرسالة الهندية المزعومة [في علم الفَلَك] أن الفزاري ترجمها في عهد الخليفة العبّاسي.. فهي موضع شكّ كبير في أن تكون حقيقة في [الفَلَك] بمفهومه العلمي ، ليس فقط لأن اسمها معناه في السانسكريتية: "أسس سير الوجود" أو "غاية التعاليم" ، وهو ما يشي بكونها رسالة فلسفية أكثر من أي شيء آخر ؛ ولكن أيضاً لأن البحث والاستقصاء الفلكي بالعين المجرّدة – أداة ذلك الزمان الوحيدة في شبه القارة الهندية - يستوجب صفاء السماء معظم أيّام العام ، وهو ما لم يتوفّر في البيئة الهندية المدارية كثيرة الأمطار معظم أيّام السنة ؛ غزيرة الغطاء النباتي معظم مساحات القارة الهندية (قبل أكثر من ١٢٠٠ عام من اليوم).. الأمر الذي لا يؤهّل شبه القارة الهندية إذّاك لأن تكون موطناً لهذا النوع من العلوم ، [الفَلَك]!!
وهذا التحليل يدعمه قول الفلكي الفرنسي المعاصر جان بيار فردي Jean Pierre Verdi في كتابه: "تاريخ علم الفلك القديم والكلاسيكي" ، "إن علم الفلك يأتي الى الشعوب من الرعاة فيها ، وأن الرعاة الكلدانيين ، قد اخترعوا هذا العلم لنا من سهولهم الحارة ذات السماء الصافية على الدوام". ثم يضيف على ذلك فيقول: "إنه يبدأ بمرحلة ارتقاء بابل نحو العام ١٨٠٠ ق.م ، وهي مرحلة قدمت لنا أقدم الألواح التي تشتمل على طابع فلكي واضح" (ص ٩).
وبرأي الدكتورة اللبنانية ريما بركة - مترجمة كتاب "فردي" - "أن الشعوب المسافرة ، وخصوصاً منها رجال البحار ورجال القوافل ، كانوا يهتدون سبلهم بواسطة الأجرام السماوية ، سواء في البر ام في البحر". وهي ترى "أن الفينيقيين هم الذين أشاروا الى كوكبة الدب الأكبر ، ثم الى كوكبة الدب الأصغر".
وملاحظة جان بيار فردي "أنه لم يسبق لأية حضارة قديمة أن استخدمت مثل هذا العدد الكبير من علماء الفلك الذي استخدمه المجتمع الاسلامي بين القرنين الثامن والرابع عشر (٧٥٠ – ١٣٥٠ في المتوسّط) ، وما عملوا عليه من انشاء مراصد عامة أو خاصة ، لديها برامج رصد محددة ، وظهور مدارس فلكية حقيقة" ، ما هي إلاّ تأكيد على أن علم الفلك علم عربي أصيل كانت بلاد العرب مهداً له ، وهذا لا يتأتّى مع افتقارهم للعلم بأرقامهم العربية ، ومن قبل بوقت طويل!
غير أن علم الفلك ربّما لم يأخذ وضعه الدراسي المدوّن عند العرب إلاّ ابتداءً من النصف الثاني من القرن الثامن الميلادي (٧٥٠م) في بغداد ، في عهد الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور ، وعلى أيدي أركان علماء الفلك العرب في دار الخلافة: محمد بن ابراهيم الفزاري ، ويعقوب بن طارق.
