ليس بين العلوم البشرية قاطبة بصفة عامّة والعلوم الطبيعية - من طبيعة (فيزياء) ، وكيمياء ، وفلك ، بل ورياضيّات - بصفة خاصّة ما هو أكثف استعمالاً للارقام والأعداد من التجارة شراء واشتراء للسلع.. حساباً للكمّيات والأوزان والأحجام والأطوال والأثمان بين الشاري والمشتري ، استيراداً وتصديراً ، بل ومقايضة.. فإذا كانت هذه التجارة من الاتّساع إلى حد العالمية ؛ وإذا كانت هذه التجارة نشاطاً متأصّلاً طال قرون مديدة عبر أجيال ، وإذا جمعت هذه التجارة معها علم الملاحة فكان التاجر بحّاراً أيضاً ، ثم تكون ثمرة هذا النشاط المركّب المديد هو الثراء ونشوء حضارات قُبَيل الميلاد ، فهل يُعقل أن يتعلّم مثل هذا التاجر ماخر المحيطات ، وطارق الدروب الصحراوية التي طالت إلى ألوف الألوف من الأبواع ، أن يتعلّم الأرقام والأعداد والحساب مِمَّن ليس هو كذلك؟
لقد تفوق الهنود على العرب في الزراعة والصناعة ، فيما كان العرب أبرع في التجارة والحساب ، لذلك كان خطاب القرآن لهم في آية الصف١٠: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ] ؛ فالزراعة والرعي والصناعة أنشطة لم يكن لها وجود ملموس في حياة العرب بحكم بيئتهم الصحراوية ، وتأكيداً على ذلك أن ذُكرت ممارسة التجارة كنشاط بشري في القرآن خمس مرات على الأقل ، بينما ذُكرت ممارسة الزراعة فيه كنشاط بشري مرّتين فقط ، ولم تُذكر ممارسة الصناعة أو الرعي كنشاط بشري على الإطلاق. وهذا يبيّن بشكل غير مباشر أولوية الأنشطة الأربعة في حياة العرب في الأساس.. وغني عن القول أن محمّداً (ص) العربي المكّي عمل بالتجارة من عمره أكثر ممّا عمل بالرعي.
بَيْد أن شيوع استعمال أرقام التجّار العرب في ذلك الزمان كان أقل بشكل كبير من شيوع استعمال الحروف الهجائية بين عامة الناس والذين قلَّ منهم من كان يعرف القراءة والكتابة أصلاً ، فاستعمال الأرقام كان يستدعي إلماماً وممارسة لعلم حسابي ، أو ممارسة مكثّفة للتجارة ، ليس كممارسة راع يبيع أنعامه ، أو زارع يبيع ثماره أو حتى عطاراً أو بقالاً ، ولكن ممارسة تاجر مستورد مصدر معاً ، يذهب إلى بلاد المورد ، ويتعامل هناك مع تجّار متخصّصين (وسطاء) لا منتجين غالباً ، ثم يعود بما تبايع فيه من بضاعة ليشريها بدوره لتجّار متخصّصين أيضاً لا مستهلكين. ومثقفو العرب - خاصة المسلمين منهم - يعرفون جيداً من خلال التراث الإسلامي أن من تجّار رحلتي الشتاء والصيف كان عثمان بن عفان (ض) التاجر القرشي الكبير (تاجر جُملة - بتعبيرنا المعاصر).
حسناً ، ماذا كانت مكانة العرب من هذا النشاط ، وما الدليل عليه؟ هذا ما سنجد إجابة أكثر تفصيلاً عليه بعد سطور قليلة.
اقترن النشاط التجاري - برّاً وبحراً - بغالبية العرب في الجزيرة العربية منذ فجر التاريخ. ففي التاريخ المبكّر بدءاً من العام ٥٠٠ق.م على الأقل ، ومن شمال الجزيرة العربية ، راد الأنباط
التجارة برّاً وبحراً عبر البحر الأحمر غرباً ؛ وأصحاب القرية (الجِرحائيون) عبر الخليج العربي شرقاً ؛ فيما راد الحِميَريّون التجارة البحرية في جنوبها عبر بحر العرب. وفي التاريخ الأوسط بدءاً من حوالي ٢٥٠م تقريباً - وبزوال دولة وحضارة الأنباط - استمر تجّار البحر العرب في الشمال عبر الخليج العربي ، وفي الجنوب عبر بحر العرب. وفي التاريخ المتأخّر بدءاً من حوالي ٦٥٠م تقريباً - وبظهور الإسلام - نشط تجّار البحر العرب من الخليج العربي وبحر العرب أكثر ، وسادت تجارتهم في البحر المتوسّط شمالاً ، وما فتئت قوافل التجارة البرّية تطرق دروب الجزيرة العربية التجارية في اتجاهات عدّة ، خاصّة قوافل الحجازيين منها.
فعلى مدى التاريخ عمل العرب بالتجارة بين الممالك القديمة في آسيا وأفريقيا وأوروپّا ؛ وكان معظم المؤرّخين القدامى يسمّون هؤلاء التجّار "عرباً" ؛ ولم يختلف معهم المؤرّخون المحدثون ، حيث إنهم بدوا هم الآخرين مقتنعين بالإشارة إلى أولئك البحّارة ﺒ "العرب" ؛ وكلمة "عرب" هو الاسم الذي سمعه الأقدمون من العرب أنفسهم عن أنفسهم ، لأن كلمات: "عرب" و"عربي" و"عروبة" هي مشتقّات أصيلة في اللغة العربية.
وتجارة العرب القرشيين في رحلتي الشتاء والصيف مثلت ناقلاً وناشراً للأرقام العربية من أقصى جنوب الجزيرة العربية (اليمن) شتاءً ، إلى أقصى شمالها (الشام) صيفاً.
وكانت قوافل قريش التجارية البرية إلى البحرين (المشهورة بلؤلؤها) تمثل أحد روافد النقل والنشر لأرقام التجّار العرب عن طريق الخليج العربي.
ولهذا لم يكن غريباً أن يشير القرآن في آيات عدّة إلى ملاحة الناس بالفُلك في البحر ، وإلى ظروفه الملاحية وحياتهم معه ؛ ولو لم يكن العرب هم هؤلاء التجّار البحريين لَمَا خاطبهم - ابتداءً - القرآن بتلك الآيات العديدة التي منها:
| ١- | البقرة ١٦٤: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ، وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ..}. |
| ٢- | الأنعام ٦٣: {قُلْ: مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ..؟}. |
| ٣- | الأنعام ٩٧: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ؛ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}. |
| ٤- | يونس ٢٢: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ، حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ ، وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ..}. |
| ٥- | إبراهيم ٣٢: {اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ .. وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ}. |
| ٦- | النحل ١٤: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً ، وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ؛ وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}. |
| ٧- | الإسراء ٦٦: {رَّبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ؛ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً}. |
| ٨- | الإسراء ٦٧: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ ؛ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ ، وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُوراً}. |
| ٩- | الكهف ١٠٩: {قُل: لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي ، وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً}. |
| ١٠- | الحج ٦٥: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ ، وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ، وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ؟ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}. |
| ١١- | النور ٤٠: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ؛ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ ، إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا..}. |
| ١٢- | النمل ٦٣: {أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ، وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ؟ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ؟ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}. |
| ١٣- | لقمان ٢٧: {وَلَوْ أَنَّ مَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ ، وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ، مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ ؛ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. |
| ١٤- | لقمان ٣١: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنْ آيَاتِهِ! إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ}. |
| ١٥- | فاطر ١٢: {وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ ؛ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ ، وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ ؛ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً ، وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ؛ وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}. |
| ١٦- | الشورى ٣٢: {وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ}. |
| ١٧- | الجاثية ١٢: {اللَّهُ الَّذِي سخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ ، وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}. |
| ١٨- | الرحمن ٢٤: {وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ}.
|
