وقبل أن نمضي مع مقتطفات الموقع المذكور عن تاريخ الأنباط العرب في التجارة بشقّيها ، فلنتحدث قليلاً عن هُوية الأنباط العربية دماً ولساناً.
تفيد مصادر تاريخية أن الأنباط هم من نسل "نابت أو نابط" بن إسماعيل بن إبراهيم (عليهما السلام). وأن دعوة سيدنا إبراهيم كما أوردها القرآن في إبراهيم: ٣٧ - وهو يبارح زوجه ورضيعها إسماعيل في مكّة غير المأهولة - ما لبثت أن أجابها الله بإرسال قوم جُرهُم العرب - من اليمن أو من حول مكّة - إليهما ، والذِيْن جذبتهم عين زمزم للاستقرار معهما.
وهكذا يكون إسماعيل الرضيع قد نشأ يسمع ويتحدّث العربية - وليس غيرها إلاّ مع أمّه وأقل مع والده - مع من عايشهم من عرب جُرهُم ؛ وما من شكّ أن أم إسماعيل (هاجَر) قد سمعت هي الأخرى وتحدّثت العربية - وليس غيرها إلاّ مع ولدها وأقل مع زوجها - في عيشها وسط هؤلاء القوم حتّى ماتت.. إذن ، فثلاثة أرباع ما سمعه وتحدّثه إسماعيل حتّى ماتت أمّه كان بالعربية.
وتُكمل المصادر التاريخية أنه - بطبيعة الحال - تزوج إسماعيل بامرأة عربية ممن عاش وسطهم من العرب ، ومعنى ذلك أن أكثر من خمسة أسداس سمعه وحديثه بعد ذلك صار بالعربية. ثم أنجب إسماعيل من زوجه العربية من أنجب ؛ وهنا لا يتوقّع أي عاقل أن يسمع أولاده ويتحدّثوا أقل من تسعة أعشار سمعهم وحديثهم بالعربية..
فإذا عرفنا - وفقاً للمصادر التاريخية أيضاً - أن حياة نبي الله إبراهيم كانت حوالي ١٧٥٠ ق.م (ونفترض أنه تاريخ ميلاد إسماعيل) ؛ وأن دولة الأنباط بدأت في التكوّن - شمال الحجاز - عام ٥٠٠ ق.م ، فمعنى ذلك أن تكوُّن دولة الأنباط بدأ بعد نحو ١٢٠٠ سنة تقريباً من ميلاد إسماعيل ، ومن ثم فإن خمسين جيلاً على الأقل من أبناء نابط بن إسماعيل قد عاشوا مندمجين بالعرب في قلب الجزيرة العربية قبل تكوُّن دولة الأنباط ، الأمر الذي يحتّم أن يكون أحفاده الأنباط هم عُرب الدم واللغة ؛ لغتهم هي العربية وقت أن بدأت دولتهم في التكوّن عام ٥٠٠ ق.م على الأقل.
وقد قدّمنا هذا التحليل لأن هناك من الباحثين من يخلط بين الأنباط العرب ، وبين آخرين يُشار إليهم بـ"نَبَط العراق" وهم الكسدانيون الذين عاشوا في العراق. ومن الواضح أن "النَبَط" غير "الأنباط" ، أو بتعبير آخر أن "نَبَط" العراق هم غير "أنباط" فلسطين وشمال الحجاز. فالنَبَط (في العراق) هم قوم من العجم سكنوا العراق ؛ أما الأنباط فهم قبائل عربية استوطنت جنوب الأردن وفلسطين وشرق سيناء. والاستعمال المعاصر لكلمة نبطية بمعنى "عامّية" جاءت من اسم الأولين: "النَبَط" واستعملت في أخلاط الناس وعوامّهم - كما يقول الباحث السوري د. يحيى مير علم. والنَبَط (نَبَط العراق) ينتمي إليهم العالم المعروف ببن وحشية النَبَطي ، أو الكسداني ، أو الكلداني. وربّما ممّا يسوّغ الخلط بين القومين أن الكلدانيين (عراقيون قدماء) هم أيضاً مِمّن غزا أرض الأنباط العرب.
ونعود لنستهلّ فيما يلي مقتطفاتنا من موقع الباحث الأمريكي "دان جيبسون Dan Gibson" مضيفين تعليقاتنا بالخط العريض بين قوسين مربّعين "[ ]" كلّما لزم الأمر:
| ـ | "عُرف الأنباط كقبيلة عربية تشتغل بالتجارة بعام ١٩٠٠ قبل الميلاد - وفقاً للجداول التاريخية - وذلك فيما بين البقاع التالية في الجزيرة العربية: الحجاز (الهاجَريّون Hagarites - نسبة إلى هاجر أم إسماعيل) ، وما بين النهرين Mesopotamia [كلمة يونانية] ، وإدوم [شمال خليج العقبة] ، وقد شاركهم النشاط التجاري قبائل عربية أخرى - من نسل إسماعيل أيضاً [كقريش الحجازية]". |
| ـ | "موطن الأنباط كان مفترق طرق القوافل التجارية: من جنوب الجزيرة العربية إلى شمالها ، ومن مصر إلى بابل في العراق ، وكانت حاضرتهم البطراء تقع على الطريق بين مكّة والشام [وهو طريق رحلة الصيف التجارية القرشية]. وقد استمر الأمر كذلك لقرون بيد الأنباط قبل أن يأتي ذكرهم لأول مرة في التاريخ عام ٣١٢ قبل الميلاد". |
