ولو أن العرب قد أخذوا أرقام الهند - جدلاً - في يوم ما من خط الديفاناجاري أو حتى غيره بنهاية عام ٧٩٦م (تاريخ وفاة الفزاري) ، لما كانت تفرق في صورتها الواردة في المخطوطتين الأوليين السابقتين كل هذا الفرق عن أقرب الخطوط الهندية التي استعرضناها في غضون ٣٠٠ سنة فقط من عهد محمد بن إبراهيم الفزاري ، وأقل من ٤٠٠ سنة من عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان ، ما لم يكن ذلك اﻟ (يوم ما) موغل في القدم ألوفاً من السنين قبل تاريخ مخطوطة كمخطوطة: "مختصر الهندي في الحساب" والتي كُتبت قبل عام ١١٠٠م.
وما زالت في الجعبة بعد أدلة أخرى على أصالة الأرقام العربية التي نرى أن نشأتها قد تعود لاختصارات الأسماء العربية للأرقام ، وفيما يلي نعرض تحليلاً للتحور العام الذي طرأ على الأرقام العربية الأولى (مستنبطة) إلى كل من الصورتين المشرقية الحالية والغبارية:
هنا ، يهمنا أن نعرف السبب في تحور رسم الأرقام العربية إلى مشرقي عن غابرها (الغِبارية)..
ذلك أن اتساع رقعة العالم الإسلامي-العربي عرضياً من غرب الصين شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً عبر النصف الشمالي من القارة الإفريقية كان حتماً معه في زمن بقيت تحبو فيه وسائل الاتصال حبواً نوعاً وسرعة من جهة ، وتعدد أعراق العالم الإسلامي-العربي (خاصة في المشرق منه) من جهة ثانية أن تتباين أو تتنوع الأفكار والفنون ، فيرسم خطاط أو كاتب المشرق بشكل مغاير لنظيره في المغرب.
وهذا لم يقتصر على رسم الأرقام العربية بطبيعة الحال بل ظهر بائناً في كتابة أحرف الهجاء العربي فكُتبت نفس الحروف العربية لنفس اللغة بل ولنفس القرآن مثلاً في العراق بشكل ما (الخط الكوفي) ، وكتبت الحروف هي هي في المغرب العربي والأندلس بشكل مغاير (الخط الأندلسي) ، وما هذان سوى مثالان من أكثر من مثل في الخط العربي. حتى فن المعمار لا عجب أن تنوع بين مكان وآخر فنرى المسجد المقام في فارس ذا تصميم ، وترى ذاك الذي في تونس أو الأندلس ، أو حتى في دمشق وصنعاء يتضمن نفس البنية أو التركيب ويختلف في الشكل والهيئة غالباً.
وكان التحور في شكل الأرقام العربية المشرقية أبين وأوسع منه في الغِبارية العربية في المغرب العربي الذي انتقلت منه إلى الأندلس وصقلية فباقي أوروپا - لسببين هما: علو الكثافة السكانية والعرقية في المشرق الإسلامي-العربي عنها في مغربه الذي يقتصر على الصحراء الإفريقية الكبرى (من ليبيا وتشاد إلى المحيط الأطلسيً) ؛ والثاني: زيادة النشاط البشري وحركيته في المشرق الإسلامي-العربي عنه في مغربه. هذا ، وربّما مثّلت الخصومة السياسية - في فترة ما - بين الدولة الإسلامية في المشرق ونديدتها في المغرب سبباً إضافياً للتباعد بين صورتي الأرقام العربية في كلا الجانبين.
والمشهود أن التحور في اللغات أو الخطوط (رسم الكتابة) يجري أسرع وأوسع حيث النشاط البشري الأكبر في أوجه الحياة المتنوعة ؛ فنرى اللغة الفرنسية في فرنسا قد طرأ عليها الكثير من التحور فيما بقيت فرنسية أهل كِيبك Quebec في كندا أكثر حفاظاً على قديمها مما فرق بينهما بشكل واضح ؛ ونفس الشيء - كمثال آخر - حدث مع البرتغالية في موطنها الأصلي البرتغال عن تلك السارية في البرازيل ويُشار لها بالبرتغالية القديمة ؛ خاصة وأن الانفصام - على الأقل في هذين المثلين - جرى تحت نفس الظرفين وهما بعد المسافة بين الطرفين ، زائداً ضعف الاتصال وإمكانياته - في ذلك الزمان المتأخّر.
