الأرقام العربية أصل الهندية - السابقة الصفحة السابقة الصفحة التالية الأرقام العربية أصل الهندية - التالية

تمهـــيد

فيما سرت بين مثقفي العرب المظنّة الشوهاء بأن الأرقام الشائع كتابتها في البلاد الإسلامية المشرقية (من إيران وأفغانستان وپاكستان شرقاً حتى مصر والسودان) هي الأرقام الهندية ، وأننا قد هجرنا أرقامنا العربية التي نقلها عنا الغرب الأوربي ، يؤكد عديد من مراجع العالم الغربي ومعها مراجع من شبه القارة الهندية على أن حتى الأرقام التي أخذتها أوروپا من العرب هي هندية الابتكار والأصل ، وأن العرب لم يكن لهم في أمرها من فضل سوى النقل إلى أوروپا..!

فهل حقاً أن أرقامنا العربية المشرقية أرقاماً هندية؟   وهل حقاً أن العرب لم يكونوا سوى ناقلين للصورة المغربية من الأرقام التي علّموها للغربيين بعد أن (تعلموها - زعماً - من الهند)؟   وهل حقاً أن الصفر هو ابتكار هندي لاحق (اقتبسه) العرب - كقول الزاعمين - كما (اقتبسوا) الأرقام التسعة من قبل؟

مبتدئين بالإجابة: لا ، ليست صورة الأرقام المشرقية بأرقام هندية ؛ وإنما هي صورة شقيقة متحورة من الصورة المغاربية (المعروفة بالغبارية) التي انتقلت إلى أوروپا ، والصورتان تعودان لأصل واحد غابر عربي لا هندي.   وأن الصفر كذلك هو ابتكار عربي أصيل تعلمه الهنود - كما سبق لهم أن تعلموا الأرقام التسعة - من العرب ، وليس العكس.

أما متى كان ذلك ، فإجابتنا التي انتهى بحثنا إليها هي: في وقت مبكر من التاريخ قبل الميلاد من خلال التجارة البحرية مع الهند عبر بحر العرب والخليج العربي والبحر الأحمر ؛ وقد لعبت التجارة البرية عبر شبه الجزيرة العربية - خاصة رحلتي الشتاء والصيف - دوراً في إيصال الأرقام والصفر العربيين شمالاً ، غير أنه لم يكن إيصالاً عميماً بل مقصوراً.

وهنا يثور التساؤل: لم استعمل العرب إذاً صورتين من الأرقام..؟
والإجابة هي: لم يقصد العرب استعمال صورتين من الأرقام ، فالصورتان نشأتا من أصل واحد - كما تقدم - ثم تحور ودرج في المشرق العربي - كما سنبين بإذن الله ؛ فيما لم يتحور كثيراً في المغرب العربي والأندلس (شبه جزيرة إيبيريا - أسبانيا والبُرتغال حالياً) ، ثم انتقل الشكل العربي المغربي (الغباري) للأرقام إلى أوروپا عن طريق الأندلس بشكل أساسي عبر ما تأسس فيها من دور علم عربية (أشهرها جامعة قرطبة Cordoba) التي كان يفد إليها الدارسون من أوروپا ، وعبر صقلية التي مثّلت - إضافة لموانئ إيطالية أخرى - بوابة العرب التجارية والحضارية مع أوروپا.

إن تاريخ الأرقام العربية وأصلها هو منهل أدلى فيه العديد من المجتهدين أو الباحثين شرقيين وغربيين بدلائهم دون أن يظفر - في رأينا - الأكثرية منهم بصحيح الخبر أو حتّى القرب من اليقين.. بل إن كثرة غربية تعمدت عدم إنصاف العرب كراهة لهم وللإسلام أكثر منه حباً وإنصافاً للهنود ؛ بل ومنا - نحن العرب - من لم يصل أصلاً إلى قناعة أن الأرقام التي انتقلت إلى أوروپا وسائد العمل بها إلى يومنا هذا هي أرقام عربية الأصل ، كما ذهب إلي ذلك القرار الثالث للمجمع الفقهي بمكة المكرمة والمنشور على الشبكة البينية (الانترنت) ، من أنه لم يثبت أن الأرقام المستعملة في الغرب أرقاماً عربية!   وكذلك خلافاً لما جاء في ندوة: "الأرقام العربية - قضيّة وهُويّة" التي عقدتها الجمعية المصرية لتعريب العلوم - جامعة عين شمس..!!

ومن الفرضيات ما ذهب إلى أن الأرقام العربية (المغربية) - التي انتقلت إلى الأوروپيين فعلاً من العرب ويُعمل بها إلى الآن - مع شيء من التحور في الشكل كأمر طبيعي - هذه الأرقام ابتدعها العرب على أساس عدد الزوايا المنحصرة في ثنايا كل رقم بحيث يعبر عدد تلك الزوايا عن المقدار الذي يمثله الرقم.   فعلى سبيل المثال يفترض المجتهد أن رسم الرقم تسعة كان هكذا: الرقم تسعة ذو الزوايا - الأرقام العربية أصل الهندية ، ولكن بدون النقاط طبعاً والتي وضعناها لتوضيح الفكرة (بأن هذا الرقم يحصر تسع زوايا) ؛ ومعنى ذلك أولاً أن رسمها لم يكن انسيابياً وهو ما يؤكده المفترِض نفسه ، وإنما متكسّر الخطوط.

وهو في رأينا افتراض أو تحليل غير موفق البتة ، لأن أول ما يدحضه هو أن كتابة الأبجدية العربية بكل صور خطوطها القديمة (الكوفي - النسخ - الفارسي.. وحتّى الأندلسي) لم تعرف الانكسارات بهذا الشكل ولا قريباً منه ، ومن ثم يكون من غير المنطقي كتابة الأرقام - وهي جزء لا يتجزأ في صورتها من صورة كتابة الأبجدية (الحروف الهجائية) عموماً - كتابتها بشكل متكسّر ، وما قد يبدوا في صورة ما من صور كتابة هذه الأرقام حديثاً في أوروپا متكسّرة الخطوط إنما يرجع للأوروپيين أنفسهم كنوع من التحوير الفني لاحقاً ، والذي يجانس ويلائم تماماً صوراً متكسّرة الخطوط من رسم حروفهم الهجائية نفسها.   هذا ، وفي الوقت أيضاً الذي اعتبر فيه المفترِض أن رسم الأربعة كان كالتالي: الرقم أربعة بأربع زوايا - الأرقام العربية أصل الهندية ، ولم يعتبره كالتالي: الرقم أربعة بست زوايا - الأرقام العربية أصل الهندية ، بحيث يكون عدد الزوايا المتكونة ست وليست أربع ، وأن رسم الستة كان كالتالي: الرقم ستة بست زوايا - الأرقام العربية أصل الهندية ولم يعتبره كالتالي: الرقم ستة بثمان زوايا - الأرقام العربية أصل الهندية بحيث يكون عدد الزوايا المتكونة تسع وليست ست ؛ ولا هو اعتبر رسم التسعة كالتلي: الرقم تسعة بثمان زوايا - الأرقام العربية أصل الهندية ، بحيث يكون عدد الزوايا المتكونة ثمان وليس تسع ، وهو ما يجعل هذه الفرضية محض خيال!

ومن الناس من زعم أن محمد بن إبراهيم الفزاري (مات ٧٩٦م) ، هو من أدخل (الأرقام الهندية) إلى بلاد العرب بترجمته لكتاب هندي في الفَلَك..
ومنهم من زعم أنه محمد بن موسى الخُوارزمي (مات بعد ٨٤٦م)..
فمن زعم أنه محمد بن أحمد البَيْروني (٩٧٢ - ١٠٤٨م)..
إلى من زعم أنه أبو الحسن بن الهيثم (٩٦٥ - ١٠٣٩م)..
أو أن المحْدَثين من عرب ومستشرقين أَوّلوا خطأً قول المؤرخين ورجال العلم المسلمين على هذا الأساس.   فالحقيقة من وجهة بحثنا أن مبتكر الأرقام العربية إنما هم التجّار العرب ؛ ولعلنا نقدم بهذا البحث - إن شاء الله - أدلة أقوى على صاحبية العرب لأرقامهم العشرة.

والبيّنة مما نورد تقع في أنواع خمسة: منطقي ، وتاريخي ، وجغرافي ، وتحليلي ومخطوطي.


الأرقام العربية أصل الهندية - السابقة الصفحة السابقة الصفحة التالية الأرقام العربية أصل الهندية - التالية
أعلى الصفحة
ترتيب الصفحة في نتائج جوجل