إن إطلاق الحسّابين والمؤرخين العرب كنية: "الهندي" على تلك الأرقام والعمليات الحسابية بسبب تكرُّس استعمالهما ابتداءً في تجارة العرب الهندية قد تُرجم خطأً - في رأينا - للناقلين الأوروپيين قديما وللمحدثين - خاصة المستشرقين منهم - بأن تلك الأرقام هي هندية الابتكار أو الأصل ، وهو الأمر الذي تنفيه أرقام الهند ذاتها بكل صورها السارية في شبه القارة الهندية على ضوء الأدلة المتعدّدة التي قدمناها!
إن نشاط العرب التجاري الضارب في عمق التاريخ طولاً وعرضاً (بحرياً وبرّيّاً) ، وما ترتّب عليه من حضارات أنشأوها قديماً ومتوسّطاً ، كان هو المؤهّل الحقيقي لابتكار الأرقام وعلم الحساب العربيين. تمحور هذا النشاط التجاري البحري حول شبه القارة الهندية من قبل الميلاد بكثير ؛ فأدّت هذه الصلات التجارية بالتجّار العرب لابتكار الأرقام من الواحد إلى التسعة أولاً فتعلمها منهم الهنود ، ثم في وقت لاحق - وقبل الإسلام غالباً - كان تجّار الهند من العرب أولئك قد اهتدوا إلى فكرة المواقع العشرية فابتكروا الصفر أيضاً فتعلمه الهنود كذلك ، وعملت رحلتا الشتاء والصيف (وغيرهما من قوافل التجارة العربية) على انتقال تلك الأرقام من الجنوب إلى شمال الجزيرة العربية انتقالاً محصوراً على التجّار ومن يتعامل معهم مثل ساويروس - الراهب السوري.
وبظهور الإسلام وانتشاره غرباً من شمال القارة الأفريقية (ليس فقط من مصر والسودان إلى المغرب ، بل وتشاد والنيجر وشمال نيجيريا ومالي وموريتانيا والسِنِغال) انتقلت الأرقام العربية مع المسلمين فاتحين أو مهاجرين. وبالفتح العربي الإسلامي للأندلس وتعاظم جسر التجارة العربية إلى أوروپا انتقلت الأرقام العربية إلى أوروپا أيضاً من شمال أفريقيا وبصورتها الغابرة ، وهي الصورة التي تحرّف اسمها في أفريقيا العربية إلى الغِبارية في الإشارة إليها.
وفي حين انتاب الأرقام الأصلية الأولى في المشرق العربي - بمرور الزمن - تحور ملموس خاصة في الصفر ، ٤ ، ٥ ، ٦ ، ٨ بسبب التعدد العرقي وعلو النشاط البشري ، كان التحور الذي انتاب شقيقتها الغبارية ، في الصحراء الأفريقية أقل وانتاب بصفة خاصة اﻟ ٣ ، ٦ ، ٨ عن صورتها الأصلية إذ انفصمت عنها. وتواصل استقاء قوميات شبه القارة الهندية للأرقام العربية - بما كان يستجدّ عليها من تحوّر - ردحاً من الزمن بتواصل التجارة العربية معها قبل أن تستقر الأرقام على شكل نهائي لدى كل قومية.
غير أن..
| ـ | البيئة العربية الصحراوية المناوئة للكتابة والتسجيل ؛ والطبيعة العربية النازعة للاعتماد على الذاكرة والتعامل الشفهي ؛ والحياة العربية المتبسطة.. |
| ـ | الفهم الخاطئ للمقصد من لفظ "الهندي" العربي ، أو تزييف الآخرين طلباً للفضل ، أو كراهة للعرب وللإسلام.. |
| ـ | وجود التآصل بين صورتي الأرقام العربية المشرقية والغِبارية (الغابرة).. |
| ـ | انتماء بِنية (رسم) الأرقام العربية بصورتيها إلى الحروف الهجائية العربية أكثر من انتمائها إلى الحروف الهجائية الهندية.. |
| ـ | اجتماع صور من الأرقام العربية المتباعدة زماناً ومكاناً (المشرقية والمغربية) ضمن الأرقام المستعملة في جمهورية الهند وحدها يؤكّد عروبة مصدر تلك الأرقام من المشرق.. |
| ـ | أخْذ العرب للأسماء الاجنبية دون ترجمتها ، وتعدد اسم الصفر لدى الهنود مع وحدويته لدى العرب.. |
| ـ | اتباع الاتجاه العربي اليميني في قراءة الأعداد ذات الرقمين من اليمين إلى اليسار في اللغات الهندية الغالبة الاستعمال.. |
| ـ | الاتجاه اليميني العربي لتزايد الأعداد (اتجاه ترتُّب المواضع العشرية من اليمين إلى اليسار) - وهو ما يعدُل في أهميته كل ما سبقه من أدلة ومفسّرات.. |
